الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

114

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

أولًا : علم الإشارة لا ينظر إلى قصص الأنبياء في القرآن الكريم على أنها قصص قد انتهت بأنتهاء أممهم ، وأن تلاوتها الآن للعظة والاعتبار فحسب ، وإنما يرون مع ذلك أن الخطاب بها ما زال قائماً يوجه الإنسان في كل عصر وأوان باعتبار مملكة الله الصغرى التي انطوى فيها العالم كله ، فمثلًا يرمزون لموسى بالقلب أو الروح وإلى فرعون بالنفس . وبذلك يكون القرآن في حالة تجدد نزول لم ينته الخطاب بانتهاء زمانه باعتبار كلام الله وصفته القائمة بذاته ، وتظل بذلك صفة الكلام الإلهي قائمة غير معطلة لم تنته بن - زول الكتب السماوية فما زال الحق سبحانه وتعالى متكلماً أبداً . ثانياً : علم الإشارة يكشف عن صدق أهله مع ربهم وأمانتهم عند الحديث عن كلامه ، فكل ما قاله القرآن وما تناولته ألفاظه من أداء هو في مذهبهم حقيقة لا يعرفون مجازاً ولا يلجئون إلى كناية ، لأنهم بما شاهدوا وذاقوا يدركون هذه الحقائق . ولما كانت تلك مواجيد وأذواق لا يمكن نقلها إلى الغير بعبارة رمزوا لها وأشاروا ، ومن هنا أنكر عليهم من أنكر ، أما من شاهد مثلهم فقد عرف ما عرفوا ، بل ربما تجدد له من ذلك مشهد أو حقيقة أو مذاق . وهكذا نرى أن أهل الله أمناء على كلامه ، دفعتهم غيرتهم على محبوبهم ، وعظيم احترامهم لجنابه ، وإكبارهم لكلامه ألا يميلوا عن منطوق ألفاظه إلى مجاز أوكناية خشية البعد عن مراده . ولِمَ اللجوء إلى المجاز ما دام للحقيقة عندهم مخلص ؟ فهم لا يرون في قوله سبحانه وتعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 1 » ، إن السؤال لأهلها فحسب بتقدير مضاف كما قيل أي واسأل أهل القرية ، وإنما السؤال للقرية بكل ما فيها ومن فيها ما داموا يشاهدون تسبيح الجماد ونطق الحيوان . واقرأ إن شئت قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ « 2 » ، وقوله : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ « 3 » ، وقوله في حق السماء والأرض :

--> ( 1 ) - يوسف : 82 . ( 2 ) - الإسراء : 44 . ( 3 ) - سبأ : 10 .